الشيخ السبحاني
291
بحوث في الملل والنحل
وكان بديناً ، فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه يقول : واللَّه لا يحب الدنيا أحد إلّا ذلّ . ثمّ صعد إلى هشام فحلف له على شيء ، فقال : لا أُصدقك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللَّه لم يرفع أحداً عن أن يرضى باللَّه ، ولم يضع أحداً عن ألّا يرضى بذلك منه . فقال هشام : لقد بلغني يا زيد أنّك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هنالك وأنت ابن أمة . قال زيد : إنّ لك جواباً . قال : فتكلم . قال : إنّه ليس أحد أولى باللَّه ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه ، وقد كان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة فاختاره اللَّه عليه وأخرج منه خير البشر ، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول اللَّه وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أُمّه . قال له هشام : أُخرج . قال : أخرجُ ثمّ لا أكون إلّا بحيث تكره . فقال له سالم : يا أبا الحسين لا تظهرن هذا منك . فخرج من عنده وسار إلى الكوفة ، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : أُذكّرك اللَّه يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة ، فإنّهم لا يفون لك ، فلم يقبل . فقال له : خرج بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثمّ إلى الجزيرة ثمّ إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا ، وقال : بَكُرَت تخوّفني الحُتوف كأنّني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل « 1 » إلفات نظر : يظهر من الجزري أنّ زيداً دخل الشام مرتين وقابل فيهما هشاماً ، أحدهما : لأجل تحضير هشام إيّاه من المدينة وتسييره إلى يوسف بن عمر في قضية خالد بن عبد اللَّه القسري ، وأُخرى : بعد النزاع في تولية الأوقاف ، وسياق كلام الجزري هو أنّ الرحلة الثانية كانت عقيب ذلك الحدث وذلك لأنّه بعد ما فرغ من الكلام في النزاع في المدينة ، قال :
--> ( 1 ) . ابن الأثير الجزري : 5 / 230 - 233